ملخّصات دروس العربية للشعب العلمية

BAC Technique
Accueil Cours
الدولة: السيادة والمواطنة الاخلاق ( الخير و السعادة ) العلم بين الحقيقة والنمذجة الخصوصية و الكونية الإنية و الغيرية

الدولة: السيادة والمواطنة
دواعي التفكير في الشأن السياسي
"إنّنــا لا نناقـش أمرا هيّـنا ، إنّنا نناقش كيف يجب أن يعيش الإنسان" أفلاطون : كتاب الجمهوريّـة
- الإنساني يتحقّق في إطار مدني سياسي:
- الوعي بالذات يقترن بالوعي بالدولة
- مفارقات وعي الإنسان بالدولة:
شرط حماية حقوق الإنسان / / مصدر تهديد هذه الحقوق
فيها تَتحقّق الهوية / / فيها تغترب الذات
المشكل:
إذا افترضنا أن إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بسيادته على ذاته في فضاء مدني٬ فضمن أي تصور للسلطة السياسية يكون هذا الفضاء ممكنا ؟ و هل بإمكان المواطنة بالمعنى الديمقراطي ضمان هذا المطلب ؟ ألا يدعونا واقع التعدد والاختلاف اليوم إلى فتح السياسي على أفق إيتيقي يؤسس لمواطنة كونية ؟
1ـ في السيادة و غياب المواطنة: الاستبداد
أ ـ تعريف السلطة الاستبدادية: الاستبداد هو الحكم الذي يقوم على التفرد بالسلطة المطلقة و لا يقبل المشاركة في القرار أو مناقشته و لا يرتكز على قانون
”الاستبداد هو ممارسة للسلطة لا تستند لأي حق٬ و هو يقوم على استخدام امرئ للسلطة من أجل مصلحته الخاصة لا من أجل خير المحكومين“ جون لوك رسالة في الحكم المدني
ب ـ الاستبداد بما هو أسلوب في الحكم:
ـ التفرّد بالسلطة المطلقة غياب المشاركة في القرار
ـ غياب المحاسبة و المراقبة
ـ عدم الاستناد إلى حق قانوني سلطة المزاج والأهواء والاعتباطية والمصلحة الخاصة
” الاستبداد هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى“عبد الرحمان الكواكبي(ص:293)
ـ العنف ” الدكتاتورية هي حتما نظام عنف(...) لا تعترف إلا بقوة واحدة تستبعد كل قوة أخرى“ ج. فروند
← الدولة الكليانية( انظر الدعائم ص:324)
ـ منزلة الإنسان في السلطة الاستبدادي :ـ اعتبار الإنسان ”عبدا“ أو ”أداة“ "العبد هو من يضطر إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيّده" سبينوزا - "العبد بخلاف الحرّ هو من يوجد من أجل غيره ولا يكون غاية ذاته"أرسطو
←الإنسان رعيّ أو فرد من قطيع - غياب الاستقلالية و السيادة على الذات - اغتراب الإنساني
←غياب المواطنة لانعدام شروط إمكانها في شكل السلطة الاستبدادية
2 ـ في التوافق بين السيادة و المواطنة: الدولة الديمقراطية
إذا كان شكل السلطة الاستبدادي لا يحقق سيادة الإنسان على ذاته و لا يعامله كمواطن ٬فضمن أي تصور للسلطة يمكن أن يتحقق التوافق بين السيادة و المواطنة؟ وهل بإمكان مؤسسة الدولة ضمان هذا المطلب؟
أ ـ من جهة الأساس : التعاقد الاجتماعي
التعاقد:” أن يتنازل كل شريك للمجموعة بأسرها عن كل ما له من حقوق و يمنح لها نفسه بالكليّة“. روسو
تجاوز: ـ الأساس الطبيعي ـ الأساس اللاهوتي ـ الأساس الأبوي ـ الأساس الكاريزماتي للسلطة السياسية
←الأساس التعاقدي للدولة: اصطناعي٬ إنساني ٬ مدني
ب ـ من جهة الغاية: الخير المشترك، الحرية، السلام
”الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة هي الخير المشترك“ روسو
” اخترع الناس الدولة لكي لا يطيعوا الناس“ ج. بيردو
” إن غاية الدولة في الواقع هي الحرية“
” إن غاية الديمقراطية و مبدؤها هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة العمياء و الإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام و سلام“ سبينوزا
د ـ منزلة الإنسان في الديمقراطية: المواطـَنة
” العبد هو من يضطرّ إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيده، والابـن هو من ينفّذ، بناء على أوامر والديه، أفعالا تحقق مصلحته الخاصة و أما المواطن فهو من ينفّذ بناء على أوامر الحاكم أفعالا تحقق المصلحة العامة، و بالتالي مصلحته الشخصيّة“ سبينوزا
المواطن: ”شريك“، ” عضو“، ” جزء لا يتجزأ من الإرادة العامة“
له حقوق و عليه واجبات :حق الانتخاب، حق المراقبة و المحاسبة و مقاومة العنف اللاّشرعي..واجب الامتثال للقانون...
المواطَنة هي وضعٌ قانونيٌّ للإنسان ضمن فضاء عمومي، ناتج عن إرادة واختيار.
←الديموقراطية:أساسها:التعاقد الإجتماعي، مصدر السيادة فيها:الإرادة العامة، روحها: العقلانية، غايتها: الحرية والخير المشترك، رهانها: حل المعضلة السياسية عبر عنه روسو بقوله" كيف أمنح نفسي للمجموعة كلها وأبقى في ذات الوقت حرا فلا أخضع إلا لسلطان نفسي؟"
3 ـ حدود التوافق بين السيادة و المواطَنة
أ ـ حدود بنيوية:
ـ سلطة الأغلبية تهديد الحرية الشخصية"مَنْع الإنسان من التعبير عن رأيه شرّ لأن فيه سلبا للإنسانية كلها“.س. ميل
ـ التفاوت الطبقي تهديد العدل و المساواة الاقتصار على حقوق الإنسان البرجوازيّ الأنانيّ. ماركس
ـ تهديد حقوق الأقليّات باسم سيادة الشعب( كونستون ص:295)
ـ ظاهرة الاغتراب السياسي : "ينزع صاحب السيادة دوما إلى ابتزاز السيادة ذلك هو الداء السياسي الجوهري " ريكور
ب ـ حدود تاريخية:
ـ سيادة الدولة يهددها العدوان أو الاستعمار
ـ تشابك المصالح بين الدول
ـ تحكّم بعض الدول في المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية (العولمة)
ـ العلاقات الدولية محكومة بمنطق العنف الشبيه بالعنف في حالة الطبيعة (حالة حرب كونية) اهتزاز أركان سيادة الدولة
ج ـ مأزق الفكر السياسي:
قصور التصور التعاقدي الكلاسيكي عن حل المشكل السياسي ببعديه :
ـ منزلة المواطن السياسية داخل الدولة
ـ منزلة المواطن و الدولة داخل العالم
←استئناف التفكير الفلسفي في منزلة الإنسان السياسية وفي مسألة السيادة والمواطنة لا بما هي شأن مدني فحسب بل بوصفها شأنا عالميا أيضا.
4 ـ نحو نموذج جديد للمواطنة : المواطنة الكونية
أ ـ في الحاجة إلى نموذج جديد للمواطنة:
” يلزمنا نموذج جديد للمواطنة العالمية يمكنه أن يحطم الرابطة بين الانتماء و الإقليمية. على الأفراد أن يكونوا قادرين على ممارسة حقوقهم من جهة كونهم كائنات إنسانية لا من جهة كونهم كائنات قومية. و قد يكون هذا النموذج متعدد الثقافات بالمعنى الذي يعترف فيه بالتنوع العرقي و الهويات المتعددة“ ستيفن كاستلاس(ص:317)
مدلول الحاجة: ضرورة واقعية- اقتضاء أخلاقي
ب ـ شروط إمكان تحقق هذا النموذج:
ـ تجاوز نموذج ” الإنسان الفرد“ بمظهريه:
ـ الاستبدادي: ← تسلّط الفرد
ـ الديمقراطي الّليبرالي: تنامي النزعة الفردانية - عدم اكتراث الأغلبية بالشأن السياسي (توكفيل)- تحوّل الممارسة السياسية إلى تقنية أداتية تستبعد القيم والغايات ولا تعترف إلاّ بالنجاعة.
ـ الاعتراف بتنـوّع الإنسانية:
المواطنة الكونية: تعني المساواة في الحقوق الاجتماعية و السياسية بين كافة البشر دون أن يُحمل ذلك على معنى فرض التماثل بينهم)
الدستور الكوني: ” إقامة علاقات سلمية بين البشر تأخذ طابع القوانين العامة للجنس البشري“ (كانط) دون أن يعني ذلك فرض نموذج واحد في الحكم و لا إلغاء الدولة الوطنية ← كونية لا تنفي الخصوصية و التنوع بل تفترضهما← الديموقراطية المركبة ( موران:-كتاب الآداب ص176)
ج ـ الأساس الإيتيقي للمواطنة الكونية:
- الإنسان غاية لا وسيلة:افعل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك و في أشخاص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة“ كانط ←تجاوز الأخلاق الشّرطية
- إيتيقا التواصل: الحوار الكوني:مواجهة” العقل الأداتي“ بـ ” العقل التواصلي“: ”هو العقل الذي يحول طاقاته النقدية إلى قوى دفع للتواصل المحقّق للاتفاق دونما إكراه أي قوة الاتفاق البينذاتي بما هو البديل الوحيد عن استعمال العنف في حال الصراع“ هابرماس
←التفكير في الشأن السياسي لا يستوفي معناه الإنساني إلا بتحريره من العقلانية الأداتية و تأسيسه على عقلانية حوارية
تدقيقات مفهومية
الدولة: في الإشتقاق اللغوي العربي تعني التداول والتغير، أمّا في اللغة اللاتينية فيعني لفظ Etatحالة من الإستقرار والنظام المؤسساتي الذي شارك الشعب في تأسيسه، فالدولة مجتمع منظم ذو حكومة مستقلة تتكوّن من أشخاص يختارهم الشعب لسياسة أمورهم على الوجه الأفضل. ولا وجود في الدولة لشخص ما يعلو على سلطة القانون وإرادة الشعب.
من أجهزة الدولة البرلمان أو مجلس الشعب وأجهزة الخدمة المدنية، وما يميز الدولة الحديثة هو وحدة الأفراد أو الأعضاء وامتثالهم لقانون مدني، وهو ما يعبّر عن انتظام الحياة السياسية، فالدولة مؤسسة حقوقية أو هي كيان سياسي قانوني محكم التنظيم. ومن وظائف الدولة تشريع القوانين لتحقيق السلم وتأمين الحريات. وتعد الدولة أيضا سلطة بمعنى أن لها الحق في استعمال وسائل العنف إزاء من لا يطيع القوانين.
السيادة: السيادة في المجال السياسي هي السلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها في الداخل وفي علاقاتها الخارجية. وهذا يعني أن للسيادة وجها داخليا يتمظهر في امتلاك الدولة لأحادية القرار والسلطة، بمعنى أن الدولة هي وحدها صاحبة السلطة من دون شريك على كامل مساحة الوطن ووجها خارجيا يتمثَل في علاقاتها بغيرها من الدول ضمن حدود احترام استقلال كل دولة وعدم جواز التدخَل في شؤونها الداخلية.
وإذا استندنا إلى هذا التعريف، نستنتج أن السيادة ركن من أركان الدولة بالإضافة إلى الأرض والشعب، والدولة التي تتمتَع بالسيادة ينبغي ألاَ تخضع لأي سلطة غير سلطتها. فالسيادة صفة ملازمة للدولة لا تستمدَها من غير ذاتها ولا يشاركها فيها غيرها. من هنا أصبحت السيادة شعارا للكرامة الوطنية باعتبارها أفضل تجسيد لمعاني الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.
أما مواصفات سيادة الدولة، بحسب الممارسة، فهي أنها مطلقة لا سلطة أعلى منها، وهي شاملة تنسحب على جميع المواطنين والقاطنين ضمن حدود الوطن، وحصرية لا تقبل التجزئة،أي أنه لا يوجد من ينافس الدولة في ممارسة السيادة وفرض السلطة على المواطنين. وهي لا تقبل التنازل عنها ففقدانها يعني فقدان مبرَر وجود الدولة ذاتها، كما أنَها لا تسقط بفعل مرور الزمن.
المواطنة: عبارة قديمة ومعاصرة في آن، فالمواطنة كما فهمها اليونانيون صفة يتّصف بها الأثيني الحر الذي يقيم في المدينة التي يمتثل فيها إلى القوانين لا إلى نزوات طاغية يحكم الدولة. وقد وسّع الفلاسفة من مدلول المواطنة فخرجوا بها من دائرة المدينة-الدولة ليتصوروا الإنسان مواطنا عالميا من جهة أنّه إنسان يقطن هذا العالم ويتساوى مع الآخرين في هذه الصفة الإنسانية, وإذا كانت صفة المواطنة في دلالتها اليونانية تقوم على اعتبار البشر متساوين وأحرار، فإنها تستثني العبيد والأطفال والنساء لأن الحرية مرتبطة بالتعقل,
أمّا دلالة المواطنة في معناها الحديث والمعاصر فإنها لم تنفصل عن هذا التصور للإنسان الحرّ وإنما أضافت إليه القيم الحقوقية الكونية التي تجعل من الناس جميعا شيبا وشبابا رجالا ونساء يتمتعون بحق العيش بكرامة وحرية ويتساوون في الحقوق والواجبات ومن بينها الحق في انتخاب الحكام ومن ينوب الشعب في تصريف شؤون الدولة، والحق في الترشح للمناصب السياسية ومختلف الوظائف الموجودة في المجتمع دون أي تميي, وكذلك الحق في مراقبة آليات الحكم ومناقشة تدبير شؤون المدينة مع بقية المواطنين. إن المواطنة على هذا النحو تصبح صفة تطلق على من يحيا في ظلّ نظام ديموقراطي يجعل الحياة حرّة وكريمة.



علاقة الخير بالسعادة
ما من اخلاق الا و تتعلق بمجموعة الاوامر و النواهي,فتميز بين الخير و الشر,وتعين الاسس و المعايير,وتضبط السلوك والافعال الى حد ان البعض درج على تصور الاخلاق بوصفها "علما معياريا". ولكن بين ما تكون عليه المسلمات الأخلاقية,وبين حقيقة ما تتأسس عليه,يستنهض سؤال يتعلق بعلاقة الأخلاق بالخير وهي تتعقب السعادة ليخبر عم ايسكن الفعل الأخلاقي من غائية وقصدية توجه كل ممارسة قيمية,فتضفي عليها من النظام و المعقولية ما يؤكد خصوصيتها الانسانية.
تحتاج المسلمات الأخلاقية الى فحصها ومساءلتها,لا بنية تقويضها و انما بنية العمل على فهم أسسها التي تحركها. فلا يكاد يخلو الانسان من قيم أخلاقية توجهه أو تسيره, ولكنه غير قادر على اكتشاف ما يؤسس لها. فمعنى أن ينتبه الانسان الى شروط الفعل الاخلاقي و غاياته ليدرك الخير فيما هو أخلاقي ومعنى أن يبحث الانسان في خير السعداء اي ليبحث في قيمة الخير و طبيعته التي تمكن البشر من تحقيق سعادتهم, هو وحده ما يكون جديرا باكتشافه. فان لم يكن للانسان القدرة على تحصيل السعادة فعلى الاقل يكفيه من كل ذلك ان يفكر في سبل تحقيقها.
ان تباين الافعال الاخلاقية و ان أعلنت عن نسبيتها فانها قد أعلنت أيضا أنها تمتلك "مهمة تعليم الخير" بوصفها الطريق الموصلة للسعادة.
فكأن السعادة الحقيقية هي التي تشترط"خيرية الوجود". فلا احد يمكنه أن يرغب في السعادة و في حسن السلوك و طيب العيش دون أن يرغب في نفس الوقت أن يكون و يسلك و يعيش". غير أن الاحراج الحقيقي الذي يتوجه الى هذا التصور الذي يربط بين الخير و السعادة يوجب ضرورة استفراغ السعادة من مضمونها المادي كمتعة. فالسعادة لا يمكن أن تحبس في سكون الأتاراكسيا كنوع من السكينة و الطمئنينة و انما قد تحمل ما يؤكد حركة اللذة فيها.
الخير و السعادة قيمتان قد لا توجب الواحدة الأخرى , اذ يوجد من السعداء من لا يفعل الخير و بالمثل يوجد من يمارس الخير و تظهر عليه سمات الألم و الشقاء. مما يعني أن الخير لا يمكنه أن يحصر في صورته الأخلاقية. فالمنفعة و اللذة و المتعة هي خير بالنسبة لمن يستفيد منها. فالخير كما يعرفه سبينوزا "ما نعلم علما يقينا أنه نافع لنا" و مع ذلك بامكان الخير ان يجيز السعادة فيقع استعادة المفقود واختزال الفارق بين الكينونة و الواجب.
ان شأن السعادة من جهة تحققها كحالة ارضاء تام للذات,يتسم بالقوة و الثبات ما يدفع الى تصورها "فنا من فنون العيش" يجتهد الانسان في طلبها و يتخذ من الوسائل التي يتجهز بها ما يعتقد انه كفيل ببلوغها ليؤكد ان الانسان خلق من أجل السعادة

العلم بين الحقيقة والنمذجة
تهدف النمذجة إلى إنتاج النماذج .والنموذج هو تمثل لكائن ما يوجد في الواقع ولكيفية اشتغاله من أجل التحكم فيه.فالنموذج هو تمثل لشيء أو معطى سواء كان واقعي أم اصطناعي.هذا المعطى الذي سيتم الاشتغال عليه ونمذجته يفترض فيه كونه بنية تتشكل من مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها والمكتفية بذاتها.النموذج بذلك هو بناء يضم وحدة من العناصر المتفاعلة والمنظمة وتحتكم إلى غاية أو هدف ما.إن النموذج لا يعيد تشكيل أو تصوير الكائن في صورته الواقعية. يعود النموذج إذا على أحد مجالات الواقع، إنسانية كانت أو مادية، من خلال تبسيطه وإعادة بنائه وتنظيمه في نموذج يسمح بفهمه ومن ثمة التحكم فيه.
يتحدد النموذج كتمثل للواقع وبعبارة أكثر دقة لأحد مجالات الواقع.النموذج بذلك ليس استنساخا للواقع أو استعادة له.إن مثل هذا الاستنساخ يضل مشروعا غير قابل للتحقيق وهو ما يعود لطبيعة الواقع ذاته القائمة على التعقيد والتركيب ،بما يجعل من الإحاطة به في كليته عملا مستحيلا.يتحدد النموذج بما هو اقتطاع لمجال مخصوص وجزئي من مجالات الواقع؛يقود هذا الاقتطاع "استراتيجيا الإهمال" أي الإغفال المتعمد للتداخل المميز للعناصر المكونة للواقع والاهتمام بمجال محدد منه .إن هذا الإهمال المتعمد هو الذي يجعل من الإحاطة بالواقع و فهمه ممكنا من خلال عزل معطيات وعناصر يرى المنمذج أنها لا ترتبط مباشرة بمجال اهتمامه ،وأن عملية عزلها لن تؤثر في قيمة النتائج التي يمكن التحصل عليها حتى ولو كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بالمجال الذي يتم الاشتغال عليه.تقوم النمذجة،وإنشاء النماذج، إذن، على أساس فاعلية التبسيط التي تمكن من تجاوز عوائق التركيب والتعقيد والتداخل التي تعيق الفهم.
إن هذا التبسيط ليس تبسيطا عفويا ناتجا عن قصور في أدوات المعرفة ذاتها ، بل هو تبسيط متعمد أي عن وعي ونتيجة اختيارات واعية من طرف المنمذج .فالمنمذج يعلم جيدا أن دراسته لا تحيط بالواقع في كليته ولا تحيط بجميع عناصره وهو لا يعلن ذلك ولا يطمح إليه أصلا فهو يعلم جيدا أن النموذج الذي بناه لا يطابق الواقع في كل تفصيلاته ولا أن العناصر المكونة لنموذجه لا يمكن لها أن تحيل إلى عناصر عينية داخل الواقع يمكن العودة لها والتثبت من مدى تحقق المطابقة معها،في كل الحالات.
النموذج العلمي هو إذن إنشاء يتشكل من جملة من العناصر المترابطة والمتفاعلة موضوعها مجال محدد من الواقع تم تعيينه على أساس استراتيجيا الإهمال بما يجعل من فهم الواقع ممكنا بما يسمح من الفعل والتحكم فيه. فالنموذج إذن هو الوسيط بيننا وبين الواقع الذي لا يمكن إدراكه مباشرة نظرا لما يتميز به من درجة كبيرة من التعقيد والتركيب.

الخصوصية والكونية
تندرج هذه المسألة في فضاء إشكالي عام هو مطلب الكوني باعتباره ما يوحّد الاختلافات الإنسانية على كثرتهاوتعدّدها، يتعلق الأمر إذا بالنظر في إمكانية المصالحة بين الخصوصية التي تحدّد هوية الأفراد والمجتمعات والثقافات والكوني باعتباره مطمح إنساني في تحقيق الوحدة دون القضاء على الاختلاف وحق الاختلاف. فكيف يمكن إذا أن نتحدّث عن كوني إنساني في واقع اختلاف الأفراد واختلاف الثقافات؟ هل يمكن فعلا أن نحقّق هذا الكوني أم أن هذا الكوني يبقى مجرّد فكرة نظرية تفسد عندما يتحقّق؟ كيف يمكن أن نحقق هذا الكوني دون أن نقع في مشكل الانبتات؟ كيف نحافظ على الهوية دون الوقوع في الموقف الدغمائي الذي يؤدي إلى ادعاء خصوصية ما للكونية؟ كيف يمكن أن نحقق الكوني دون إدانة الخصوصية ودون الوقوع في فخّ الإقصاء وادعاء الكونية؟ وبالتالي كيف يمكن أن نستشرف أفق كوني يتحقّق فيه التواصل ضمن شروط ايتيقية ويراعي الخصوصية؟ إن الهوية تتحدّد عموما باعتبارها ما به يكون الشيء هو نفسه، وهذا التحديد للهوية ليس بعيدا عن معنى الإنية من حيث أنها تحيل إلى ما يميز الإنسان وما يعبّر به عن حقيقته من وجهة ميتافيزيقية. بيد أن السؤال عن الخصوصية يحيل إلى الهوية من جهة ما يميز الإنسان بما هو كائن ينتمي إلى مجموعة أو مجتمع معين. وهذا يعني أن إشكالية الخصوصية والكونية تجعلنا نغادر نهائيا حقل الفردية المنغلقة على ذاتها إلى مستوى أوسع من الانفتاح على الغيرية في مختلف أشكالها وأبعادها الثقافية والحضرية .
والهوية الشخصية، من جهة كونها تحيل إلى ما تختصّ به الذات من تفرّد ووحدة والتي تشمل الوعي بالذات وتمثل الفرد لهذا الوعي، ليست إلا بعد من أبعاد الهوية التي يجب أخذها بعين الاعتبار دون التوقف عندها فقط، لذلك كان تحديده للهوية الشخصية مختلفا عن" تحديده للهوية الإنسانية. فالهوية الشخصية عند "لوك" هي الهوية المنظور لها من الناحية الميتافيزيقية والأخلاقية، وهي نظرة الذات لذاتها، نظرة داخلية ومتفردة لا يمكن التواصل حولها. فحين يوحّد "لوك" بين الوعي والنفس يعزل الوعي عن بقية العالم ويميز راديكاليا بين الهوية بالوعي، والهوية بأيّ شيء آخر غير الوعي أو الشخص لأن الوعي عنده هو الذي يحدّد الشخص، والشخص لا الإنسان الذي تكون هويته مثل الكائنات الحية مدركة من الخارج فلا الجسد إذا ولا اعتراف الآخر يتدخل في تحديد الهوية عند "لوك" وهكذا فإن الهوية الشخصية عند "لوك" تتحدّد باعتبارها الإحساس اللامنقطع للشخص بأنه هو وبعينه.. غير أن إيدغار موران يتناول مشكل الهوية من جهة تعقد وتنوّع مستويات الهوية الإنسانية، إذ أنه يرى أنّ التنوع بين الأفراد والثقافات يبلغ حدّا كبيرا إلى درجة أننا نحسب القول بالوحدة الإنسانية ضربا من التجريد. ذلك أن "موران" يعتبر الهوية مركبة من هوية شخصية وهوية اجتماعية وهوية ثقافية أي كهوية تدرك من الداخل ولكن أيضا كهوية يمكن التعرف إليها من الخارج وتمثل الأساس الذي يستمدّ منه أيّ مجتمع أو ثقافة اختلافها وتميزها عن مجتمع آخر أو عن ثقافة أخرى، فكيف يمكن إذا أن نحافظ على الهوية دون أن يلحق ضيما بما هو كوني؟
إنّ "ادغار موران" يريد فهم جدلية الوحدة والتنوع بما هي الأساس التفسيري للإنساني والثقافة على حدّ سواء، إذ يجب حسب رأيه أن ننظر في الوحدة من جهة كونها تنتج التنوع لا من جهة كونها تولّد التجانس وتقضي على التنوع كما يجب أن ننظر للتنوّع من جهة كونه ينتج الوحدة لا التنوع الذي ينغلق على ذاته فيقضي على الوحدة، ذلك أن السؤال عن الهوية عند "ادغار موران" لا يخرج عن سؤال ما الإنسان؟ وبالتالي السؤال عما هو إنساني في الإنسان،خاصة وأن السؤال عن الهوية كثرت المطارحات حوله في الوقت الراهن حيث أصبحنا شهودا مذعورين من المشاهد الوحشية التي تقدّمها وسائل الإعلام يوميا، فنتساءل عن طبيعة هذا الكائن القادر على الخير كما الشر إلى أقصى حدّ. لذلك يرى "إدغار موران" أن الثلاثية الإنسانية المتمثلة في الفرد والمجتمع والنوع تضع الفرد الإنساني في وضعية تسمح له في ذات الوقت بتكوين تنوع غير محدود ووحدة خصوصية، والعلاقات بين هذه الحدود الثلاث ليست فقط متكاملة بل هي أيضا متضادة وتمثل إمكانات صراع بين خاصيات بيولوجية وخاصيات ثقافية في سيرورة متعاودة وفي تولّد مستمرّ، ولذلك يرى "موران" أن الهوية الإنسانية تحمل في ذاتها شكل الوضعية الإنسانية لا بطريقة منفصلة أو متعاقبة ولكن بطريقة. متزامنة فالإنسان وفي ذات الوقت كائن عارف وكائن صانع... والهوية المركبة بهذا المعنى لا تذوب لا في النوع ولا في المجتمع بما أن الإنسان كذات أو كفرد لا يتعين فقط في الحوار مع ذاته ولكن يتعين أيضا في الحوار مع الآخر.
لكن هذا التصور المثالي لهوية مركبة تسمح بلقاء الإنسان بالإنسان في إطار تواصل، لا يعكس واقع البشر في كلّ العصور إذ بينت التجربة أن لقاء الثقافات كثيرا ما يؤدي إلى مجموعة من ردود الأفعال المرتبطة بالأحكام المسبقة والكليشيات التي عبر عنها لويس ألتوسير بطقوس الاعتراف الايديولوجي بل وحتى الاثنية الثقافية، وإذا كان الانتماء إلى ثقافة ما يعني التواصل بطريقة خصوصية فإن الحوار بين الثقافات عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الغيرية وأن يخضع إلى مقتضيات خاصة إذ ما ادّعت ثقافة ما الكونية وهو ما يتجلى في العولمة.
ذلك أن العولمة هي عملية اقتصادية في مقام اوّل ثمّ سياسية ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية إذ هي عملية تحكّم وسيطرة تشغل إزاحة الأسوار والحواجز بين الدول، بل أنها تسعى إلى تحويل العالم إلى ما يشبه القرية حتى تسهل عملية السيطرة خاصة وأن العولمة من الناحية الاقتصادية تقوم على نشر الرأسمالية كنظام للتجارة وكنظام للإستهلاك وهي عملية يلعب فيها الإعلام دورا كبيرا خاصة وأن الإعلام والاتصال والمعلومات تمثل اليوم المكونات الأساسية في الاقتصاد العالمي، وفرض الرأسمالية على كل دول العالم تسبب في فقر الدول النامية وارتفاع مديونيتها مما أجبر هذه الدول على تقديم تنازلات سياسية واجتماعية. وهذا ما يضعنا أمام أهمّ الأسئلة على هامش علاقة العولمة بالهوية وهو سؤال يتعلق بالمكان فالمكان ضلّ على امتداد التركيبة السياسية التقليدية ممثلا في الدولة الوطنية، مكان مغلق على مجموعة من الفاعلين الحاضرين في علاقات تقوم وجها لوجه، هذا المكان أصبح اليوم مجالا كونيا مفتوحا لتفاعلات أبعد من نطاقه المحدّد، تفاعلات يدخل فيها أفراد غير موجودين بالمكان ذاته وأحداث لا تحدث بالمكان ذاته، مما يجعل التعايش بين العولمة والهوية أمرا محدودا للغاية ما دامت الهوية ترتكز على الخصوصية بينما تسعى العولمة إلى تجاوز هذه الخصوصية.
وهكذا يرى "سمير أمين" أن اندثار الحدود السياسية والثقافية والقانونية أمام العولمة المدعومة بوسائل حديثة للاتصال كالانترنات والفضاءات التلفزية... قد دمر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الغربي والأمريكي بالأساس، إذ تتجاوز الهيمنة الأمريكية في العولمة الجانب الاقتصادي والسياسي لتشمل الجانب الثقافي أطلق عليه "سمير أمين" اسم ثقافة العولمة بما يعنيه ذلك من تعميم للقيم النفسية والعقائدية... الأمريكية على الأذواق والسلوكيات التي تشكّل المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لبقية شعوب العالم. والمدخل الأساسي لهذه الايديولوجيا الثقافية يتمثل في الإعلام الذي يتجاوز كلّ الأشكال التقليدية للتواصل والذي أنتج ثقافة جديدة، ثقافة ما بعد المكتوب، ثقافة الصورة باعتبارها المفتاح السحري لثقافة العولمة.
لذلك ينقد سمير أمين" المثقفين العرب الذين تدور مناقشاتهم حول قضايا مفتعلة تتعلق بالحداثة والأصالة، لأن الثقافة بالنسبة لـ: سمير أمين، ليست منظومة صلبة وجامدة في الزمن والمسألة بالنسبة إليه يجب أن تطرح في إطار النسبية الثقافية أين تتحدد الثقافة باعتبارها مبدأ تكيف مع ظروف الحياة. وفي إطار هذه المنظومة للنسبية الثقافية يرى "سمير أمين" أنه بالإمكان تطوير ثقافة جديدة تجابه العولمة الثقافية وتحمي الهوية الثقافية من الهيمنة التي تفرضها أمريكا. المشكل إذا بالنسبة لـ"سمير أمين" لا يتعلق بالتهجم على الحداثة والكونية التي نظرت لها الحداثة مع "كانط" وإنما في مجابهة ثقافة العولمة.
ذلك أن كانط كان ينظر لإقامة سلم دائمة، كان يرى أنّ السلم بين الشعوب والثقافات والدول هو مشروع قابل للتحقيق لا بمعنى تغيير جذري في الإنسان ولكن بمعنى إنشاء الحق الذي سيكون خلاص سياسي للإنسان، فالسلم لا يكون إلا بتطبيق الحق ولا تكون شرعية إلا العلاقات سواء بين الأفراد أو الدول التي لا تقوم على العنف وإنما تقوم على الخضوع الحرّ لقانون مشترك
والكونية التي يتحدّث عنها "كانط" تتمثل في سنّ قانون سياسي كوني يحمي حق الغرباء، جعل كانط يدافع عن فكرة مواطنة عالمية بحيث يتمتع الفرد بحقوقه بطريقة مستقلة عن انتمائه الوطني والإقليمي. وهذا يعني أن الحق السياسي الكوني عند كانط هو إدانة لغطرسة الدول الاستعمارية وإدانة لكلّ أشكال التخوف من الغريب ولذلك فإن تأسيس حق سياسي كوني، يجعل من كل إنسان مواطنا للعالم لا مواطنا عالميا بمعنى تنكره لأصوله وثقافته، بحيث يكون الوعي بالمواطنة متسعا بحسب العالم كله. وذلك ممكن بالنسبة لكانط لانه يعتبر أن ما يجب على الإنسان فعله هو بالضبط ما يستطيع الإنسان فعله. ذلك هو معنى الحرّية الأخلاقية عنده، وذلك هو أيضا المطلب الإنساني الذي نظّرت له الحداثة مع كانط، وهو ايضا ما نظّر له هيغل في سياق مخالف تماما للكانطية عندما بين أن الفرد لا يتحرر من طبيعته المباشرة إلا عبر اغتراب الذات المشكلة، إذ بهذا الاغتراب يمكن للفرد أن يحقق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كل أنواع الغايات.
ذلك أن الثقافة عند هيغل هي التحرر، إذ تمثل نقطة التحول المطلق نحو الروحاني السامي، والإرادة الفردية لا تتوصل إلى تحقيق الحرية إلا إذا تعالت على الرغبات و الدوافع الفردية، وهو ما يتحقق في سيرورة الثقافة باعتبارها سيرورة مشكلة للطبيعة الخارجية عبر العمل، و مشكلة في ذات الوقت للطبيعة المباشرة للإنسان. ودور الثقافة بالنسبة لـ "هيقل" باعتبارها كذلك، يتمثل في توسيع الخصوصي وتحقيق الكوني، وهكذا فإن الجدلية المركزية عند "هيقل" تتمثل في جدلية الجهوي كذات وجدلية الشامل كإجراء لا متناهي، ولذلك يرى "هيغل" أنه ليس هناك أي تعبير كوني ممكن للخصوصية كخصوصية. ومن هذا المنطلق الهيقلي يجب الاحتراس من الأطروحات الدارجة اليوم والتي تقرّ بأن وصفة الكونية تتمثل في احترام الخصوصيات لأن هذه الوحدة تقودنا إلى التمييز قبليا بينخصوصيات جيدة وخصوصيات رديئة، وتعتبر أن الخصوصية الجيدة هي الخصوصية التي تتضمن في ذاتها احترام الخصوصيات الأخرى وهو ما يعني أن الكوني عند "هيغل" لا يتقدّم كتقنين للخصوصي، أو للاختلافات ولكن كفرادة تملصت من المحمولات الهووية رغم كونها تشتغل في هذه الحمولات وبها.
لكنّ لا "كانط" ولا "هيغل" كروّاد للحداثة كان بإمكانهما أن يأخذا بعين الاعتبار أهمية العامل الاقتصادي في نشأة الحروب واندلاعها وهو ما تشهد عليه العولمة. ذلك هو المنطلق الذي جعل "بودريار" يعتبر أن الكوني كأطوبيا تغنت بالحداثة ونظّرت إليه يموت عندما يتحقق، لأن الكونية تفسد عندما تتحقق. ذلك أن العولمة حسب "بودريار" ليست شيء آخر غير الخصوصية المدعية للكونية، والثقافة الغربية التي كانت حبلى بالكوني، عندما جاءها المخاض ولدت العولمة فماتت بدورها. ولكن إذا كان موت الثقافات الأخرى موتا رحيما لأنها ماتت من فرط خصوصيتها، فإن موت الثقافة الغربية كان موتا شنيعا لأنها فقدت كلّ خصوصية عبر استئصال كلّ قيمها السمحه (الحرية، الديمقراطية، حقوق الانسان...) في إطار العولمة إذ أنّ الكوني "يهلك في العولمة. "
هذا يعني أن العولمة تسير في اتجاه القضاء على الاختلاف خاصة وأن الاختلاف يمثل بالنسبة لـ"كلود لفي ستروس" واقعا طبيعيا. إذ يلاحظ "كلود لفي ستروس" أن الحضارات والثقافات توجد في واقع الاختلاف إذ تتطوّر الإنسانية في ضروب متنوعة من المجتمعات والحضارات. والتنوع الثقافي يولّد بالضرورة تلاقحا بين الثقافات، فضرب وجود الثقافات يتمثل في وجودها معا، والالتقاء بين الثقافات إما أن يؤدّي إلى تصدّع وانهيار نموذج أحد المجتمعات وإما إلى تأليف أصيل بمعنى ولادة نموذج ثالث لا يمكن اختزاله في النموذجين السابقين. وهذا يعني أنه ليس هناك تلاقح حضاري دون مستفيد، والمستفيد الأول يسميه "ستراوس" بالحضارة العالمية التي لا تمثل في نظره حضارة متميزة عن الحضارات الأخرى ومتمتعة بنفس القدرة من الواقعية وإنما هي فكرة مجرّدة. والمشكل بالنسبة لـ"ستراوس" لا يتمثل في قدرة مجتمع ما على الانتفاع من نمط عيش جيرانه ولكن هو مشكل قدرة مجتمع ما على فهم ومعرفة جيرانه. ومن هذا المنطلق فإن الحضارة العالمية لا يمكن أن توجد إلا كفكرة من حيث هيّ "تحالفللثقافات التي تحتفظ كلّ واحدة منها بخصوصياتها. أما ما هو بصدد التحقق اليوم في ظلّ العولمة فليس إلا علامة تقهقر الإنساني والكوني، وإذا كانت الإنسانية تأبى أن تكون المستهلك العقيم للقيم التي أنتجتها في الماضي فإنه عليها أن تتعلم من جديد أن كلّ خلق حقيقي يتضمن رفضا ونفيا للقيم الأخرى، لأننا لا نستطيع أن نذوب في الآخر ونكون مختلفين في نفس الوقت لذلك ينقد لفي ستراوس فكرة التفوق الثقافي التي يعتبرها وليدة للحكم المسبق الذي تمثله المركزية الاثنية أي الميل إلى اعتبار ثقافتنا الخاصة نموذج للإنسان. من هذا المنطلق ذاته سعى "غادامار" إلى تحديد شروط الحوار البناء بين الثقافات، و تتمثل هذه الشروط في النقاط التالية:
- اللامركزية: إذ علينا أن نقبل القيام بتجربة الأنت.
- قبول الدخول في لعبة اللغة التي تقتضي جملة من القواعد تتمثل أساسا في الدخول في لعب الآخر للقيام بتجربة الحوار.
- مراجعة نظرتنا للحوار: فالحوار حسب "غادامار" ليس حركة دائرية تحيل فيها الأجوبة إلى أسئلة مولّدة إلى أجوبة جديدة، إذ أن الحوار يشبه تجربة الفنّ الذي ينكشف إلينا كحدث مضيء والحقيقة
التي تظهر لنا عندها بما هي حقيقة ممكنة تدفعنا إلى مراجعة منطلقاتنا إذ يتعلق الأمر بقبول التخلي عن الحقيقة النهائية و تحقيق تفاهم تأويلي يفتح على انفتاح المعنى و تعدده.
- اعتراف بدور العادات إذ علينا أن نتبين أن مواقفنا مبنية وفق العادة فنحن نعيش في مكان محدد و في فترة محددة و نتحرك في وسط معيّن و كل هذه العناصر تكون كياننا و الوعي التأويلي وحده ما يمكننا من الانفتاح على الحوار الحقيقي و النقد عبر التواصل.

لإنية و الغيرية
تندرج مسالة الإنية والغيرية في مسألة أهم هي مسألة الإنساني بين الكثرة والوحدة. وهذه المسألة تتحرك في سياق مطلب الكونية. ذلك أن تحديد الإنسان يفترض إنتاج تعريف كوني يشارك فيه كل الأفراد، لكن هل أن هذه المشاركة تتم على نفس النحو؟ أم هل أن كلّ فرد يشارك في الكلّي بطريقة خصوصية؟
أفلاطون Platonيقرّ أفلاطون أن كمال الوجود الإنساني أي إنية الإنسان تتحقق بالنفس وحدها ذلك أن أفلاطون يتبنى موقفا ثنائيا إذ يفسر الإنسان بإرجاعه إلى مبدأين مختلفين: * مبدأ روحاني هو النفس التي تتحدد تماما مثلما سيكون الأمرعند أرسطو باعتبارها مبدأ حركة. * مبدأ مـــادي هو الجسد.
ويختزل الإنسان في بعده الواعي و يقر بأن النفس تتحكم كليا في الجسد.
وخصوصية أفلاطون تتمثل في إقراره بأن النفس جوهر في حين يمثل الجسد عرض. لذلك يختزل أفلاطون الإنسان في بعده الواعي ويقصي الجسد من ماهية الإنسان، إذ أن الجسد بالنسبة إليه عاطل عطالة كاملة فالنفس هي التي تحرّكه وهو مصدر رذيلة ويمثل عائقا يعوق النفس في عملية صعودها نحو المثل.
أرسطو Aristoteيطرح أرسطو مشكلة علاقة النفس والجسد في إطار فهمه لعلاقة الصورة بالمادة أو إن شئنا الدقة علاقة الصورة بالهيولى (الهيولى هي المادة اللامتشكلة). و من هذا المنطلق فإن الإنسان سيكون إنسانا بصورته أي بنفسه، فالنفس أو الروح هي ما يمثل حقيقة الإنسان. فتماما كما تشكل الصورة المادة، تشكل النفس الجسد وبالتالي فإن أرسطو يختزل الإنسان في بعده الواعي و هذا ما يظهر بجلاء في إقراره بأن الإنسان حيوان عاقل. و هذا المنظور الأرسطي الذي يفهم الإنسان على شاكلة فهمه لعلاقة الصورة بالمادة جعله ينتهي إلى تحديد النفس بما هي مبدأ حركة. و عن هذا التحديد تنتج نظريته الشهيرة حول الأنفس الحيوانية.
ابن سينا Avicenneموقف ابن سينا من مسألة الإنية يتلخص في برهان الرجل المعلق في الفضاء إذ هو يفترض أن الإنسان ولد دفعة واحدة فخلق يهوي في الفضاء دون أن تكون لأعضائه إمكانية التقاطع، و لكنه مع ذلك يستطيع أن يثبت ذاته موجودة. و من هذا البرهان يستخلص ابن سينا أن النفس هي الإنسان عند التحقيق و ان الجسد لا يمثل حدا في ماهية الإنسان. ذلك أن ابن سينا تماما مثل أرسطو و أفلاطون يقرّ بأن النفس العاقلة هي ما يؤسس حقيقة الإنسان و ماهيته، فالأنا يدرك ذاته دون أن يكون في حاجة إلى أيّ علة خارجة عنه سواء كانت جسدا أو أي شيء آخر خارجي.
ديكارت Descartesلإثبات الذات موجودة ينطلق ديكارت من تجربة الشك. إذ أن ديكارت يشك في كلّ شيء يجد فيه مجرّد تردّد وهكذا لا يترك الشك مجالا دون أن يطاله. إلا أن هذا الشك الذي طال كلّ شيء لا يستطيع أن يخامر الحالة التي أكون فيها بصدد الشكّ. فديكارت يستطيع أن يشك في كلّ شيء إلا في كونه يشك لأن الشك في الشك لا يقوم إلا بتدعيم الشك. و هكذا يأتي الشك على كلّ شيء إلا على اليقين الذي يتضمنه، يقين الذات بذاتها موجودة كفكر أي يقين الكوجيتو.
وخصوصية ديكارت تتمثل في كونه على خلاف أفلاطون وأرسطو يحدد النفس كفكر لا كمبدأ حركة وبالتالي تماما مثل أرسطو وأفلاطون يعتبر أن النفس جوهر ولكنه على خلاف أرسطو وأفلاطون يعتبر أيضا أن الجسد جوهرا من جهة كونه مستقل بذاته إذ أن حركة الجسد لا تفسرها النفس وإنما هي حركة آلية ميكانيكية نابعة من طبيعة الجسد ذاته كامتداد مادي.
أفلاطون، أرسطو، ابن سينا و ديكارت يثبتون إذا الإنية بإقصاء كلّ أشكال الغيرية داخلية كانت أم خارجية فلا الجسد ولا العالم الخارجي يحددان ماهية الإنسان.
ومن هذا المنطلق تتحدد الذات باعتبارها واقعا ميتافيزيقيا، باعتبارها المعنى المؤسس للإنسانية والأنا ليس إلا الوعي بوحدة الذات التي تربط وتجمع بين حالاتها المختلفة وأفعالها المتعاقبة في الزمان. والذات عند هؤلاء الفلاسفة تتحدّد في نهاية المطاف باعتبارها الجوهر وهو التحديد الذي أقرّه أرسطو بما أن الذات كجوهر تسند إليها كل الخصائص والأعراض بما في ذلك الجسد.
سبينوزا Spinoza
يمثل موقف سبينوزا أول موقف فلسفي يرد الاعتبار للجسد في تحديد الإنية ولكن أيضا موقف يسعى إلى إقحام الإنسان في الطبيعة و في العالم عبر سلب الامتيازات الميتافيزيقية التي أضفاها التصور الثنائي على الإنسان.
ذلك أن سبينوزا على خلاف أرسطو و ديكارت يحدد الجوهر لا باعتباره المتصل بذاته ولكن باعتباره المسبب لذاته وهو ما يعني أنه لا يوجد إلا جوهر واحد هو الله أو الطبيعة، و أنّ هذا الجوهر يتكون من عدد لا متناهي من الصفات وأن كلّ صفة من هذه الصفات تتكوّن من عدد لا متناهي من الضروب أو الأحوال Modes.
وهذا يعني أن كلّ ما يوجد هو إما ضرب من ضروب صفة الامتداد و إما ضرب من ضروب صفة الفكر و إما ضرب من ضروب أحد الصفات الأخرى التي لا يعرفها الإنسان و إما علاقة ضريبة بين ضربين و هو حال الإنسان. و هذا يعني أن الوحدة بالنسبة لسبينوزا تتمثل في الجوهر الواحد في حين تمثل الصفات اللامتناهية وضروبها الكثرة. و الضروب بما فيها الإنسان تتحدد كانفعالن أي كرغبة في المحافظة على البقاء (كوناتوس). و الصراع الذي كان يتحدث عنه ديكارت داخل الإنسان، بين العقل والانفعالات، أصبح مع سبينوزا صراعا خارج الإنسان، صراع كلّ الضروب من أجل المحافظة على البقاء.
الجسد مع سبينوزا يتماهى مع النفس في مستوى الماهية بما أن النفس والجسد شيء واحد تارة ننظر إليه من جهة صفة الفكر وطورا ننظر إليه من جهة صفة الامتداد، و يتماهي معها في المستوى الانطولوجي بما أن كلّ من النفس والجسد يمثل ضربا أو حال، و يتماهى معها في مستوى القوة والفعل بما أنّ فعل النفس هو فعل الجسد وهو الفعل الذي ينحو إلى المحافظة على البقاء.
مع سبينوزا إذا لا أنية دون الغيرية الداخلية والخارجية معا، فالإنسان يتحدد بوعيه وجسده ويتحدد كرغبة تتطوّر في العالم أو الطبيعة.
مارلو بونتي M.M.Pontyإنّ تجاوز سبينوزا لثنائية النفس والجسد يبقى رهين الإقرار بالحلولية لذلك تتقدم الفينومينولوجيا مع مارلوبونتي وهوسرل كردّ فعل ضد الثنائيات التي أنتجها الإرث الديكارتي بين الشيء والفكرة، الموضوع والذات والجسد والنفس... وردّة الفعل هذه كانت بالعودة للوجود في العالم لاستكشاف ارتباط الجسد بمختلف سجلات القصدية بدأ بالإحساس ووصولا إلى الحكم. فالجسد بالنسبة لمارلوبونتي لا يمكن اختزاله في كونه مجرّد تراكم الوظائف و الميكانيزمات التي تصفها الفيزيولوجيا، فالجسد هو أكثر من مجرّد العضوية الارتكاسية التي تتمثله فيها الفيزيولوجيا، ذلك أنني لا أستطيع أن أفهم علاقة النفس والجسد في الإنسان إذا كنت أعتبر الجسد مجرّد موضوع لأن هذا الجسد الموضوع هو جسد الآخر كما أراه، إنه هذه الجثة الهامدة التي يشرحها طلبة الطب في غرفة التشريح، في حين أن جسدي الخاص لا يدرك مثلما تدرك المواضيع الخارجية بل إني أعيش حضوره الحي من الداخل. و الجسد المعيش على هذا النحو يتقدّم منذ الوهلة الأولى باعتباره غير قابل للاختزال في الجسدية فحسب، إذ هناك تطابق بين حالاتي المختلفة وضروب وجود جسدي. فنحن مع الفينومينولوجيا لم نعد إزاء جسد ملطخ بنقص ما، إذ نكتشف أن الجسد ذات و أن الإنسان واحد و ما كان يسميه ديكارت جسدا ليس إلا الشخص الموضوع أي الإنسان كما يبدو في الفضاء وفي نظر الآخر، و ما يسميه ديكارت نفسا ليس إلا الشخص الذات أي ما يمثله الإنسان بالنسبة للأنا وهو ما يسميه مارلوبونتي بالجسد الذات.
ردّ الاعتبار للجسد مع مارلوبونتي مرفوق باستحضار العالم كآخر يمثل شرطا لتحقيق الانية، لأن الوعي المتجسد يتحدّد في علاقته القصدية بالعالم إذ يتحدّد الوعي مع الفينومينولوجيا باعتباره فعل التمعين بما أن كلّ وعي هو وعي بشيء ما، و هكذا فإن الوعي ليس كما اعتقد ديكارت داخلية محضة وبسيطة، فالوعي ليست له محتويات بما أنه الفعل الذي نقصد به الموضوع، و بما أن هناك طرقا مختلفة للتوجّه نحو الموضوع فإنه يجب أن نتحدث مع الفينومينولوجيا على أصناف الوعي : وعي مدرك، وعي راغب، وعي متخيل، وعي مندهش...و العالم من هذا المنظور هو مجموع معاني، و بالتالي لا يمكن أن يوجد وعيا نظريا بالذات، و بما أن علاقة الوعي بالعالم هي علاقة ديناميكية فلا نستطيع أن نفهم العالم دون وعي و لا نستطيع أن نفهم وعي دون عالم، فلا يوجد عالم إلا بالنسبة للوعي ولا يوجد وعي إذا لم يكن وعي عالم.